البغدادي

514

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

فقال كسرى لترجمانه : ما يقول ؟ فقال : لا أدري . فقال بعض جلسائه : « شاهانشاه « 1 » ، أشتر أف أف » معناه : يا ملك الملوك هذا جمل ينفخ . وأشتر بلغتهم : الجمل ، وأف : حكاية النفخ . قال طليحة : فأضحكني تفسيره العربيّة بالفارسية . قال : ثمّ غنّاه المغنّي بشعر فارسيّ لم أفهمه ، فطرب كسرى ، وملئت له كأس ، وقام فشربها قائما ، ودارت الكأس على جميع الجلساء . قال طليحة : وكان التّرجمان إلى جانبي فقلت له : ما هذا الشعر الذي أطرب الملك هذا الطّرب ؟ فقال : خرج يوما متنزّها فلقي غلاما حسن الصّورة ، وفي يمينه ورد ، فاستحسنه وأمر أن يصنع له فيه شعر ، فإذا غنّاه المغنّي ذلك الشعر طرب وفعل ما رأيت . فقلت : ما في هذا ممّا يطرب حتّى يبلغ فيه هذا المبلغ ؟ فسأل كسرى التّرجمان عمّا حاورني فيه ، فأخبره ، فقال : قل له : إذا كان هذا لا يطرب فما الذي يطربك أنت ؟ فأدّى إليّ التّرجمان قوله فقلت : قول الأعشى : * ما بكاء الكبير بالأطلال * البيت فأخبره التّرجمان بذلك ، فقال كسرى : وما معنى هذا ؟ فقلت : هذا شيخ ، مرّ بمنزل محبوبته ، فوجده خاليا ، قد عفا وتغيّر ، وجعل يبكي « 2 » . فضحك كسرى ، وقال : وما الذي يطربك من شيخ واقف في خربة ، وهو يبكي ، أو ليس الذي أطربنا نحن أولى بأن يطرب له ؟ قال طليحة : فثقل عليه جانبي « 3 » بعد ذلك . وقوله : « لات هنّا ذكري جبيرة » ، بضم الجيم : اسم امرأة ، وهو من شواهد النحويّين ، وتقدّم توجيهه في الشاهد الثالث والثمانين بعد المائتين « 4 » . * * *

--> ( 1 ) في الاقتضاب ص 448 : " شاه شاه " . ( 2 ) في الاقتضاب ص 449 : " فوقف فيه وجعل يبكي " . ( 3 ) في الاقتضاب : " فثقل عليه بابي " . أراد الإذن بالدخول عليه . ( 4 ) الخزانة الجزء الرابع ص 183 .